فصل: تفسير الآية رقم (4)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالُواْ‏}‏ أيضاً معترفين بأنهم لم يكونوا ممن يسمع أو يعقل كان الخزنة قالوا لهم في تضاعيف التوبيخ ألم تسمعوا آيات ربكم ولم تعقلوا معانيها فأجابوهم بقولهم‏:‏ ‏{‏لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ‏}‏ كلاماً ‏{‏أَوْ نَعْقِلُ‏}‏ شيئاً ‏{‏مَا كُنَّا فِى أصحاب السعير‏}‏ أي في عدادهم ومن جملتهم والمراد بهم قيل الشياطين لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأعتدنا لهم عذاب السعير‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 5‏]‏ وقيل الكفار مطلقاً واختصاص إعداد السعير بالشياطين ممنوع لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا اعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيراً‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 4‏]‏ والآية لا تدل على الاختصاص وفيه دغدغة لعلك تعرفها مما يأتي إن شاء الله تعالى قريباً فلا تغفل ونفيهم السماع والعقل لتنزيلهم ما عندهم منهما لعدم انتفاعهم به منزلة العدم وفي ذلك مع اعتبار عموم المسموع والمعقول ما لا يخفى من المبالغة واعتبرهما بعض الأجلة خاصين قال أي لو كنا نسمع كلام النذير فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش اعتماداً على ما لاح من صدقه بالمعجز أو نعقل فنفكر في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين ما كنا الخ وفيه إشارة إلى أن السماع والعقل هنا بمعنى القبول والتفكر واو للترديد لأنه يكفي انتفاء كل منهما لخلاصهم من السعير أو للتنويع فلا ينافي الجمع وقيل أشير فيه إلى قسمي الإيمان التقليدي والتحقيقي أو إلى الأحكام التعبدية وغيرها واستدل بالآية كما قال ابن السمعاني في القواطع من قال بتحكيم العقل وأنت تعلم أن قصارى ما تشعر به أن العقل يرشد إلى العقائد الصحيحة التي بها النجاة من السعير وأما أنها تدل على أن العقل حاكم كما يقول المعتزلة فلا واستدل بها أيضاً كما نقل عن ابن المنير على أن السمع أفضل من البصر ومن العجيب استدلال بعضهم بها على أنه لا يقال للكافر عاقل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏فاعترفوا بِذَنبِهِمْ‏}‏ الذي هو كفرهم وتكذيبهم بآيات الله تعالى ونذره عز وجل ‏{‏فَسُحْقًا لاصحاب السعير‏}‏ أي فبعداً لهم من رحمته تعالى وهو دعاء عليهم وقرأ أبو جعفر والكسائي فسحقاً بضم الحاء والسحق مطلقاً البعد وانتصابه على أنه مصدر مؤكد أي سحقهم الله تعالى سحقاً قال الشاعر‏:‏ يجول بأطراف البلاد مغربا *** وتسحقه ريح الصبا كل مسحق

وقيل هو مصدر إما لفعل متعد من المزيد بحذف الزوائد كما في قوله

وإن أهلك فذلك كان قدري *** أي تقديري والتقدير فأسحقهم الله سحقاً أي إسحاقاً أو بفعل مرتب على ذلك الفعل أي فأسحقهم الله تعالى فسحقوا سحقاً كما في قوله‏:‏ وعضة دهر يا ابن مروان لم تدع *** من المال إلا مسحت أو مجلف

أي لم تدع فلم يبق إلا مسحت وإلى أول الوجهين ذهب أبو علي الفارسي والزجاج وبعد ثبوت الفعل الثلاثي المتعدي كما في البيت وبه قال أبو حيان لا يحتاج إلى ما ذكر واللام في لا صحاب للتبيين كما في ‏{‏هيت لك‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 23‏]‏ وسقياً لك وفي الآية على ما قيل تغليب ولعل وجهه عند القائل وهو أن السوق يقتضي أن يقال فسحقاً لهم ولأصحاب السعير فإنه تعالى بين أولاً أحوال الشياطين حيث قاله سبحانه ‏{‏واعتدنا لهم عذاب السعير‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 5‏]‏ ثم بين أحوال الكفار حيث قال عز وجل ‏{‏وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 6‏]‏ والأوفق بقراءة النصب والأبعد من شبهة التكرار أن يراد بالموصول غير الشياطين ثم قال تعالى شأنه فسحقاً لأصحاب السعير فكان السوق يقتضي فسحقاً لهم ولأصحاب السعير لكن لم يقل كذلك لأجل التغليب حيث أطلق أصحابه السعير على الشياطين والكفار جميعاً ولا يضر في هذا دلالة غير آية على عدم اختصاص أصحاب السعير بالشياطين بل يطلق على سائر الكفرة أيضاً لأنه يكفي في التغليب الاختصاص المتبادر من السوق هنا ولا توقف له على عدم جواز إطلاق ذلك على غير الشياطين في شيء من المواضع على أنه يمكن أن يقال لا حاجة إلى التزام اختصاص أصحاب السعير بالشياطين أصلاً ولو بحسب السوق بل يكفي لصحة التوجيه كونهم أصيلاً في دخول السعير والكفار ملحقين بهم كما يشعر به قوله تعالى ‏{‏ما كنا في أصحاب السعير‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 10‏]‏ بمعنى في عدادهم وجملتهم فحينئذٍ يكون الداخل في السعير قسمين وكان مقتضى الظاهر ذكرهما معاً في الدعاء عليهم بالسحق كما يشهد به سياق الآية لكنه عدل وغلب أصحاب السعير الدال على الأصالة على غيره من التوابع وذكر أن في هذا التغلب إيجازاً وهو ظاهر ومبالغة أي في الإبعاد إذ لو أفرد كل من الفريقين بالذكر لأمكن أن يتوهم تفاوت الإبعادين بأن يكون إبعاد الكفرة دون إبعاد الشياطين على ما يشعر به جعلهم الشياطين أصيلاً وأنفسهم ملحقة بهم فلما ضموا إليهم في الحكم به دل على أن إبعادهم لم يقصر عن إبعاد أولئك وأيضاً لما غلب سبحانه وتعالى أصحاب السعير وهم الشياطين على الكفار فقد جعل الكفار من قبيل الشياطين فكأنهم هم بأعيانهم وفيه من المبالغة ما لا يخفى وتعليلاً فإن ترتب الحكم على الوصف وكذا تعلقه به يشعر بعليته له فيشعر ذلك بأن الإبعاد حصل لهم لأجل كونهم أصحاب السعير وقيل في توجيه التغليب وما فيه من الأمور الثلاثة غير هذا وقد عد ذلك من المشكلات وغدا معتركاً لعلماء الروم وغيرهم من العلماء الأعلام ولعل ما ذكرناه أقرب إلى الأفهام وأبعد عن النزاع والخصام فتأمل والله تعالى ولي الأفهام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب‏}‏ أي يخافون عذابه غائباً عنهم أو غائبين عنه أو عن أعين الناس غير مرائين أو بما خفي منهم وهو قلوبهم ‏{‏لَهُم مَّغْفِرَةٌ‏}‏ عظيمة لذنوبهم ‏{‏وَأَجْرٌ كَبِيرٌ‏}‏ لا يقادر قدره وتقديم المغفرة على الأجر لأن درء المضار أهم من جلب المنافع والجملة المذكورة قيل استئناف بياني وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ‏}‏ خطاب عام للمكلفين كما في قوله تعالى أولاً ‏{‏ليبلوكم‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 2‏]‏ عطف على مقدر قال في «الكشف» أصل الكلام وللذين كفروا منكم أيها المكلفون المبتلون وللذين يخشون منكم فقطع هذا الثاني جواباً عن السؤال الذي يقطر من بيان حال الكافرين مع أن ذكرهم بالعرض وهو ماذا حال من أحسن عملاً ومن خرج ممحصاً عند الابتلاء فأجيب بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 12‏]‏ الخ فأثبت لهم كمال العلم ‏{‏إنما يخشى الله من عباده العلماء‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 28‏]‏ وكمال التقوى لقوله تعالى بالغيب وفي هذا القطع ترشيح للمعنى المرموز إليه في قوله تعالى ‏{‏أيكم أحسن عملاً‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 2‏]‏ أي ليبلوكم أيكم المتقي تخصيصاً لهم بأنهم المقصودون ولو عطف لدل على التساوي ثم قيل فاتقوه في السر والعلن ودوموا أنتم أيها الخاشعون على خشيتكم وأنيبوا إلى الخشية والتقوى أيها المغترون واعتقدوا استواء إسراركم وجهركم في علم ربكم فكونوا على حذر واخشوه حق الخشية فقوله تعالى ذلك عطف على هذا المضمر وجوز أن يجعل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين‏}‏ الخ استطراداً عقيب ذكر الكفار وجزائهم وقوله سبحانه وأسروا أو اجهروا على سبيل الالتفات إلى ‏{‏أصحاب السعير‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 11‏]‏ لبعد العهد وزيادة الاختصاص عطفاً على قوله تعالى ‏{‏وللذين كفروا‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 6‏]‏ كأنه قيل وللكافرين بربهم عذاب جهنم ثم قيل من صفتها كيت وكيت وإسراركم بالقول وجهركم به أيها الكافرون سيان فلا تفوتوننا جهرتم بالكفر والبغضاء أو أبطنتموهما فهو من تتمة الوعيد ثم قال والأول املأ بالقبول انتهى ويظهر لي بعد الأول ويؤيد الثاني ما روي عن ابن عباس أنه قال نزلت وأسروا الخ في المشركين كانوا ينالون من النبي صلى الله عليه وسلم فيوحى إليه عليه الصلاة والسلام فقال بعضهم لبعض أسروا قولكم كيلا يسمع رب محمد فقيل لهم أسروا ذلك أو اجهروا به فإن الله تعالى يعلمه وتقديم السر على الجهر للإيذان بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه من أول الأمر والمبالغة في شمول علمه عز وجل المحيط بجميع المعلومات كأن علمه تعالى بما يسرونه أقدم منه بما يجهرون به مع كونهما في الحقيقة على السوية أو لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة الجهر إذ ما من شيء يجهر به إلا وهو أو مباديه مضمر في القلب غالباً فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور‏}‏ تعليل لما قبله وتقرير له وفي صيغة الفعيل وتحلية الصدور بلام الاستغراق ووصف الضمائر بصاحبتها من الجزالة ما لا يخفى كأنه قيل أنه عز وجل مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس وأسرارهم الخفية المستكنة في صدورهم بحيث لا تكاد تفارقها أصلاً فكيف لا يعلم ما تسرونه وتجهرون به ويجوز أن يراد بذات الصدور القلوب التي في الصدور والمعنى أنه تعالى عليم بالقلوب وأحوالها فلا يخفى عليه سر من أسرارها وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ‏}‏ إنكار ونفي لعدم إحاطة علمه جل شأنه ومن فاعل يعلم أي ألا يعلم السر والجهر من أوجد بموجب حكمته جميع الأشياء التي هما من جملتها وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ اللطيف الخبير‏}‏ حال من فاعل يعلم مؤكدة للإنكار والنفي أي ألا يعلم ذلك والحال أنه تعالى المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن وقيل حال من فاعل خلق والأول أظهر وقدر مفعول يعلم بما سمعت ولم يجعل الفعل من باب يعطي ويمنع لمكان هذه الحال على ما قيل إذ لو قلت ألا يكون عالماً من هو خالق وهو اللطيف الخبير لم يكن معنى صحيحاً لاعتماد ألا يعلم على الحال والشيء لا يوقت بنفسه فلا يقال ألا يعلم وهو عالم ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم كل شيء وأورد عليه أن اللطيف هو العالم بالخفيات فيكون المعنى ألا يكون عالماً وهو عالم بالخفيات وهو مستقيم وأجيب بأن لا يعلم من ذلك الباب وهو على ما قرره السكاكي مستغرق في المقام الخطابي واللطيف الخبير من يوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن فهما سواء في الاستغراق والإطلاق وتعقب بأن الاستغراق غير لازم كما ذكره الزمخشري في قوله تعالى ‏{‏ولما ورد ماء مدين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 23‏]‏ الآية ولو سلم فالوجه مختلف لأن العموم المستفاد من الثاني ليس العموم المستفاد من الأول فإن اللطف للعلم بالخفايا خاصة ويلزم العلم بالجلايا من طريق الدلالة ثم إن الغزالي اعتبر في مفهوم اللطيف مع العلم بخفايا الأمور سلوك سبيل الرفق في إيصال ما يصلحها فلا يتكرر مع الخبير بناءً على أنه العالم بالخفايا أيضاً والوجه في الحاجة إلى التقدير كما قال بعض الأئمة أن قوله تعالى ألا يعلم تذييل بعد التعليل بقوله سبحانه ‏{‏إنه عليم بذات الصدور‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 13‏]‏ فربط المعنى أن يقال ألا يعلم هذا الخفي أعني قولكم المسر به أو ألا يعلم سركم وجهركم من يعلم دقائق الخفايا وجلائلها جملها وتفاصيلها ولو قيل ألا يكون عالماً بليغ العلم من هو كذا لم يرتبط ولكان فيه عي وقصور وجوز كون من مفعول خلق واستظهره أبو حيان أي ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله ورجح الأول بأن فيه إقامة الظاهر مقام الضمير الراجع إلى الرب وهو أدل على المحذوف أعني السر والجهر وتعميم المخلوق المتناول لهما تناولاً أولياً ولهذا قدروا من خلق الأشياء دلالة على أن حذف المفعول للتعميم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض ذَلُولاً‏}‏ غير صعبة يسهل جداً عليكم السلوك فيها فهو فعول للمبالغة في الذل من ذل بالضم ويكسر ضد الصعوبة ويستعمل المضموم فيما يقابل العز كما يقتضيه كلام القاموس وقال ابن عطية الذلول فعول بمعنى مفعول أي مذلولة كركوب وحلوب انتهى وتعقب بأن فعله قاصر وإنما يعدى بالهمزة أو التضعيف فلا يكون بمعنى المفعول واستظهر أن مذلولة خطأ وقال بعضهم يقولون للدابة إذا كانت منقادة غير صعبة ذلول من الذل بالكسر وهو سهولة الانقياد في الكلام استعارة وقيل تشبيه بليغ وتقديم لكم على مفعولي الجعل مع أن حقه التأخر عنهما للاهتمام بما قدم والتشويق إلى ما أخر فإن ما حقه التقديم إذا أخر لا سيما عند كون المقدم مما يدل على كون المؤخر من منافع المخاطبين تبقى النفس مترقبة لوروده فيتمكن لديها عند ذكره فضل تمكن والفاء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فامشوا فِى مَنَاكِبِهَا‏}‏ لترتيب الأمر على الجعل المذكور وزعم بعضهم أنها فصيحة والمراد بمناكبها على ما روي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما جبالها وقال الحسن طرقها وفجاجها وأصل المنكب مجتمع ما بين العضد والكتف واستعماله فيما ذكر على سبيل الاستعارة التصريحية التحقيقية وهي قرينة المكنية في الأرض حيث شبهت بالبعير كما ذكره الخفاجي ثم قال فإن قلت كيف تكون مكنية وقد ذكر طرفها الآخر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلُولاً‏}‏ قلت هو بتقدير أرضاً ذلولا فالمذكور جنس الأرض المطلق والمشبه هو الفرد الخارجي وهو غير مذكور فيجوز كون ذلولاً استعارة والمكنية حينئذٍ هي مدلول الضمير لا المصرح بها في «النظم الكريم» والمانع من الاستعارة ذكر المشبه بعينه لا بما يصدق عليه فتأمل ولا تغفل وفي «الكشاف» المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل ومجاوزته الغاية لأن المنكبين وملتقاهما من الغارب أرق شيء من البعير وأنباه عن أن يطأه الراكب بقدمه ويعتمد عليه لم يترك بقية من التذليل والمراد أنه ليس هنا أمر بالمشي حقيقة وإنما القصد به إلى جعله مثلاً لفرط التذليل سواء كانت المناكب مفسرة بالجبال أو غيرها وسواء كان ما قبل استعارة أو تشبيهاً ‏{‏وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ‏}‏ انتفعوا بما أنعم جل شأنه وكثيراً ما يعبر عن وجوه الانتفاع بالأكل لأنه الأهم الأعم وفي أنوار التنزيل أي التمسوا من نعم الله سبحانه وتعالى على أن الأكل مجاز عن الالتماس من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم قيل وهو المناسب لقوله تعالى امشوا وجوز بعض إبقاءه على ظاهره على أن ذلك من قبيل الاكتفاء وليس بذاك واستدل بالآية على ندب التسبب والكسب وفي الحديث أن الله تعالى يحب العبد المؤمن المحترف وهذا لا ينافي التوكل بل أخرج الحكيم الترمذي عن معاوية بن قرة قال مر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بقوم فقال‏:‏ من أنتم فقالوا‏:‏ المتوكلون قال‏:‏ أنتم المتأكلون إنما المتوكل رجل ألقى حبه في بطن الأرض وتوكل على ربه عز وجل وتمام الكلام في هذا الفصل في محله والمشهور أن الأمر في الموضعين للإباحة وجوز كونه لمطلق الطلب لأن من المشي وما عطف عليه ما هو واجب كما لا يخفى ‏{‏وَإِلَيْهِ النشور‏}‏ أي المرجع بعد البعث لا إلى غيره عز وجل فبالغوا في شكر نعمه التي منها تذليل الأرض وتمكينكم منها وبث الرزق فيها ومما يقضي منه العجب جواز عود ضمير رزقه على الأرض باعتبار أنها مبدأ أو عنصر من العناصر أو ذلول وهو يستوي فيه المذكر والمؤنث والإضافة لأدنى ملابسة أي من الرزق الذي خلق عليها وكذا ضمير إليه أي وإلى الأرض نشوركم ورجوعكم فتخرجون من بيوتكم وقصوركم إلى قبوركم وجملة إليه النشور قيل عطف على الصلة بعد ملاحظة ما ترتب عليها وقيل حال مقدرة من ضمير المخاطبين المرفوع فتدبر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏ءامَنْتُمْ مَّن فِى السماء‏}‏ وهو الله عز وجل كما ذهب إليه غير واحد فقيل على تأويل من في السماء أمره سبحانه وقضاؤه يعني أنه من التجوز في الإسناد أو أن فيه مضافاً مقدراً وأصله من في السماء أمره فلما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ارتفع واستتر وقيل على تقدير خالق من في السماء وقيل في بمعنى على ويراد العلو بالقهر والقدرة وقيل هو مبني على زعم العرب حيث كانوا يزعمون أنه سبحانه في السماء فكأنه قيل أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان وهذا في غاية السخافة فكيف يناسب بناء الكلام في مثل هذا المقام على زعم بعض زعم الجهلة كما لا يخفى على المنصف أو هو غيره عز شأنه وإليه ذهب بعضهم فقيل أريد بالموصول الملائكة عليهم السلام الموكلون بتدبير هذا العالم وقيل جبريل عليه السلام وهو الملك الموكل بالخسف وأئمة السلف لم يذهبوا إلى غيره تعالى والآية عندهم من المتشابه وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ آمنوا بمتشابهه ‏"‏ ولم يقل أولوه فهم مؤمنون بأنه عز وجل في السماء على المعنى الذي أراده سبحانه مع كمال التنزيه وحديث الجارية من أقوى الأدلة لهم في هذا الباب وتأويله بما أول به الخلف خروج عن دائرة الإنصاف عند أولي الألباب وفي «فتح الباري» للحافظ ابن حجر أسند اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني قال‏:‏ اتفاق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير وأسند البيهقي بسند صحيح عن أحمد بن أبي الحواري عن سفيان بن عيينة كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل وقال إمام الحرمين في الرسالة النظامية اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الله عز وجل والذي نرتضيه رأياً وندين الله تعالى به عقيدة اتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة فلو كان تأويل هذه الظواهر حتماً لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع انتهى كلام الإمام وقد تقدم النقل في ذلك عن أهل العصر الثالث وهم فقهاء الأمصار كالثوري والأوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم وكذا من أخذ عنهم من الأئمة فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام انتهى كلام الحافظ على وجه الاختصار ونقل نصوص الأئمة في إجراء ذلك على الظاهر مع التنزيه من غير تأويل يفضي إلى مزيد بسط وتطويل وقد ألفت فيه كتب معتبرة مطولة ومختصرة وفي تنبيه العقول لشيخ مشايخنا إبراهيم الكوراني أن إجماع القرون الثلاثة على إجراء المتشابهات على مواردها مع التنزيه بليس كمثله شيء دليل على أن الشارع صلوات الله تعالى وسلامه عليه أراد بها ظواهرها والجزم بصدقه صلى الله عليه وسلم دليل على عدم المعارض العقلي الدال على نقيض ما دل عليه الدليل النقلي في نفس الأمر وإن توهمه العاقل في طور النظر والفكر فمعرفة الله تعالى بهذا النحو من الصفات طور وراء ذلك انتهى وأنا أقول في التأويل اتباع الظن وقول في الله عز وجل بغير علم وإلا لاتحد ما يذكرونه من المعنى فيه مع أن الأمر ليس كذلك حيث يذكرون في تأويل شيء واحد وجوهاً من الاحتمالات وفيما عليه السلف سلامة من ذلك ويكفي هذا في كونه أحسن المسالك

‏:‏ وما علي إذا ما قلت معتقدي *** دع الجهول يظن الجهل عدوانا

وقرأ نافع أأمنتم بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية وأدخل أبو عمرو وقالون بينهما ألفاً وقرأ قنبل بإبدال الأولى واواً لضم ما قبلها وهوراء النشور وعنه وعن ورش غير ذلك أيضاً وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الارض‏}‏ بدل اشتمال من من وجوز أن يكون على حذف الجار أي من أن يخسف ومحله حينئذٍ النصب أو الجر والباء للملابسة والأرض مفعول به ليخسف والخسف قد يتعدى قال الراغب يقال خسفه الله تعالى وخسف هو قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الارض‏}‏ ‏[‏القصصك81‏]‏ أي أأمنتم من أن يذهب الأرض إلى سفل ملتبسة بكم وزعم بعضهم لزوم لزومه وأن الأرض نصب بنزع الخافض أي أن يخسف بكم في الأرض وليس كذلك ‏{‏فَإِذَا هِىَ‏}‏ حين الخسف ‏{‏تَمُورُ‏}‏ ترتج وتهتز اهتزازاً شديداً وأصل المور التردد في المجىء والذهاب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى السماء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصبا‏}‏ إضراب عن الوعيد بما تقدم إلى الوعيد بوجه آخر أي بل أأمنتم من في السماء أن يرسل الخ وقد تقدم الكلام في الحاصب والوعيد بالخسف أولاً لمناسبة ذكر الأرض في قوله تعالى هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً وقد ذكر المنة في تسهيل المشي في مناكبها وذكر إرسال الحاصب ثانياً وهذا في مقابلة الامتنان بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 15‏]‏ ألا ترى إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَفِى السماء رِزْقُكُمْ‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 22‏]‏ قاله في «الكشف» وفي «غرة التنزيل» للراغب في وجه تقديم الوعيد بالخسف على التوعد بالحاصب أنه لما كانت الأرض التي مهدها سبحانه وتعالى لهم لاستقرارهم يعبدون فيها خالقها فعبدوا الأصنام التي هي شجرها أو حجرها خوفوا بما هو أقرب إليهم والتخويف بالحاصب من السماء التي هي مصاعد كلمهم الطيبة ومعارج أعمالهم الصالحة لأجل أنهم بدلوهما بسيئات كفرهم وقبائح أعمالهم ولعل ما أشير إليه أولاً أولى ‏{‏فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ‏}‏ أي إنذاري فنذير مصدر مثله في قول حسان‏:‏

فانذر مثلها نصحاً قريشا *** من الرحمن إن قبلت نذيري

وهو مضاف إلى ياء الضمير والقراء مختلفون فيها فمنهم من حذفها وصلاً وأثبتها وقفاً ومنهم من حذفها في الحالين اكتفاء بالكسرة والمعنى فستعلمون ما حال إنذاري وقدرتي على إيقاعه عند مشاهدتكم للمنذر به ولكن لا ينفعكم العلم حينئذ وقرىء شاذاً فسيعلمون بالياء التحتانية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ‏}‏ أي من قبل كفار مكة من كفار الأمم السالفة قوم نوح وعاد وأضرابهم والالتفات إلى الغيبة لإبراز الاعراض عنهم ‏{‏فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ‏}‏ أي إنكاري عليهم بإنزال العذاب أي كان على غاية الهول والفظاعة وهذا هو مورد التأكيد القسمي لا تكذيبهم فقط الكلام في نكير كالكلام في ‏{‏نذير‏}‏ ‏[‏17‏]‏ وفي الكلام من المبالغة في تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشديد التهديد لقومه ما لا يخفى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏أَوَ لَمْ يَرَوْاْ‏}‏ أغفلوا ولم ينظروا ‏{‏إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صافات‏}‏ باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها فإنهن إذا بسطنها صففن قوادمها أعني ما تقدم من ريشها صفاً ونصب صافات على الحال من الطير أو من ضميرها في فوقهم وهو في موضع الحال فتكون الحال متداخلة وجوز أن يكون ظر فالصافات أو ليروا ومفعول صافات على الاحتمالات محذوف كما أشرنا إليه وناسب ذكر الاعتبار بالطير ذكر التوعد بالحاصب لا سيما إذا فسر بالحجارة إذ قد أهلك الله تعالى بذلك أصحاب الفيل حينما رمتهم به الطير ففي ذلك إذكار قريش بتلك القصة ‏{‏وَيَقْبِضْنَ‏}‏ ويضممن أجنحتهن إذا ضربن بها جنوبهن والعطف على صافات لأن المعنى يصففن ويقبضن أو صافات وقابضات وعطف الفعل على الاسم في مثله فصيح شائع وعكسه جائز حسن إلا عند السهيلي فإنه عنده قبيح نحو قوله‏:‏ بات يعيشها بعضب باتر *** يقصد في أسوقها وجائر

فإنه أراد قاصد وجائر ولما كان أصل الطيران هو صف الأجنحة لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء والأصل فيها مد الأطراف وبسطها وكان القبض طارئاً على البسط للاستظهار به على التحرك جيء بما هو طار غير أصل بلفظ الفعل وبما هو أصل بلفظ الاسم على معنى أنهن صافات ويكون منهن القبض تارة بعد تارة ويتجدد حيناً إثر حين كما يكون من السابح ‏{‏مَا يُمْسِكُهُنَّ‏}‏ في الجو عند الصف والقبض على خلاف مقتضى طبيعة الأجسام الثقيلة من النزول إلى الأرض والانجذاب إليها ‏{‏إِلاَّ الرحمن‏}‏ الواسع رحمته كل شيء حيث برأهن عز وجل على أشكال وخصائص وألهمهن حركات قد تأتي منها الجري في الهواء والجملة مستأنفة أو حال من الضمير في يبقضن وقرأ الزهري ما يمسكهن بالتشديد ‏{‏إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء بَصِيرٌ‏}‏ دقيق العلم فيعلم سبحانه وتعالى كيفية إبداع المبدعات وتدبير المصنوعات ومن هذا خلقه عز وجل للطير على وجه تأتي به جريه في الجو مع قدرته تعالى أن يجريه فيه بدون ذلك إلا أن الحكمة اقتضت ربط المسببات بأسبابها وليس فيما ذكرنا نزوع إلى ما يضر من أقوال أهل الطبيعة لأن كون طبيعة الأجسام الثقيلة ما سمعت أمر محسوس لا ينكره إلا من كابر حسه ومثله كون الإمساك بالسبب السابق وكونه سبباً من آثار رحمته تعالى الواسعة وأبى ذلك أبو حيان توهماً منه أنه نزوع إلى ما يضر من أقوال أهل الطبيعة وقال نحن نقول إن أثقل الأشياء إذا أراد الله سبحانه إمساكه في الهواء واستعلاءه إلى العرش كان ذلك وإذا أراد جل شأنه إنزال ما هو أخف سفلاً إلى منتهى ما ينزل كان أيضاً وليس ذلك لشكل أو ثقل أو خفة ونحن لا ننكر أن الله تعالى على كل شيء قدير وأنه سبحانه فعال لما يريد وأنه لا يتوقف فعله عز وجل على السبب عقلاً بيد أنا نقول أنه تعالى اقتضت حكمته في هذا العالم ذلك الربط وهو أمر عادي اختاره تعالى حكمة وتفضلاً ولو شاء جل وعلا غيره لكان كما شاء وتقديم بكل شيء على بصير للفاصلة أو للحصر رداً على من يزعم عدم شمول علمه تعالى شأنه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏أَمَّنْ هذا الذى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مّن دُونِ الرحمن‏}‏ متعلق عند كثير بقوله سبحانه ‏{‏أو لم يروا إلى الطير‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 19‏]‏ فقال في «الإرشاد» هو تبكيت لهم بنفي أن يكون لهم ناصر غير الله تعالى كما يلوح به التعرض لعنوان الرحمانية ويعضده قوله تعالى ما يمسكهن إلا الرحمن أو ناصر من عذابه تعالى كما هو الأنسب بقوله تعالى بعد ‏{‏أن أمسك رزقه‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 21‏]‏ كقوله تعالى ‏{‏أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 43‏]‏ في المعنيين معاً خلا أن الاستفهام هناك متوجه إلى نفس المانع وتحققه وهنا متوجه إلى تعيين الناصر لتبكيتهم بإظهار عجزهم عن تعيينه وأم منقطعة مقدرة ببل للانتقال من توبيخهم على ترك التأمل فيما يشاهدونه من أحوال الطير المنبئة عن تعاجيب آثار قدرة الله عز وجل إلى التبكيت بما ذكر والالتفات للتشديد في ذلك ولا سبيل إلى تقدير الهمزة معها لأن بعدها من الاستفهامية والاستفهام لا يدخل على الاستفهام في المعروف عندهم وهي مبتدأ وهذا خبره وفي الموصول هنا الاحتمالات المشهورة في مثله وجملة ينصركم صفة لجند باعتبار لفظه ومن دون الرحمن على الوجه الأول أما حال من فاعل ينصركم أو نعت لمصدره وعلى الثاني متعلق بينصركم كما في قوله تعالى ‏{‏من ينصرني من الله‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 30‏]‏ فالمعنى من هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم ينصركم متجاوزاً نصر الرحمن أو ينصركم نصراً كائناً من دون نصره تعالى أو ينصركم من عذاب كائن من عند الله عز وجل وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنِ الكافرون إِلاَّ فِى غُرُورٍ‏}‏ اعتراض مقرر لما قبله ناع عليهم ما هم فيه من غاية الضلال أي ما هم في زعمهم أنهم محفوظون من النوائب بحفظ آلهتهم لا بحفظه تعالى فقط وإن آلهتهم تحفظهم من بأس الله تعالى إلا في غرور عظيم وضلال فاحش من جهة الشيطان ليس لهم في ذلك شيء يعتد به في الجملة والالتفات إلى الغيبة للإيذان باقتضاء حالهم الإعراض عنهم وبيان قبائحهم للغير والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالكفر وتعليل غرورهم به والكلام في قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏أَمَّنْ هذا الذى يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ‏}‏ أي الله عز وجل‏:‏ ‏{‏رِزْقَهُ‏}‏ بإمساك المطر وسائر مباديه كالذي مر وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَل لَّجُّواْ‏}‏ الخ منبىء عن مقدر يستدعيه المقام كأنه قيل أثر التبكيت والتعجيز لم يتأثروا بذلك ولم يذعنوا للحق بل لجوا وتمادوا ‏{‏فِى عُتُوّ‏}‏ في عناد واستكبار وطغيان ‏{‏وَنُفُورٍ‏}‏ شراد عن الحق لثقله عليهم وجعل ناصر الدين ‏{‏أمن هذا الذي هو‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 20‏]‏ الخ عديلاً لقوله تعالى أو لم يروا على معنى ألم ينظروا في أمثال هذه الصنائع من القبض والبسط والإمساك وما شاكل ذلك مما يدل على كمال القدرة فلم يعلموا قدرتنا على تعذيبهم بنحو خسف وإرسال حاصب أم لكم جند ينصركم من دون الله إن أرسل عليكم عذابه‏.‏ وقال إنه كقوله تعالى ‏{‏أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 43‏]‏ إلا أنه أخرج مخرج الاستفهام عن تعيين من ينصرهم إشعاراً بأنهم اعتقدوا هذا القسم وجعل قوله تعالى أم من هذا الذي يرزقكم الخ على معنى أم من يشار إليه ويقال هذا الذي يرزقكم فقيل إنه عليه الرحمة جعل في الأولى أم متصلة ومن استفهامية وجعل في الثانية أم منقطعة ومن موصولة وهذا الذي مبتدأ وخبر واقع صلة على تقدير القول وقدر لاستهجان أن يقال الذي هذا الذي يرزقكم ويجعل هذا قائماً مقام الضمير الراجع إلى الموصول الأول ومن قيل مبتدأ خبره محذوف أي رازق لكم وكأنه أشار بذلك إلى صحة كل من الأمرين في الوضعين وحديث لزوم اجتماع الاستفهامين في بعض الصور ودخول الاستفهام على الاستفهام قيل عليه أنه ليس بضائر إذ لا مانع من اجتماع الاستفهامين إذا قصد التأكيد وقد نقل ابن الشجري عن جميع البصريين أن أم المنقطعة أبداً بمعنى بل والهمزة أي ولو دخلت على استفهام نحو ‏{‏أم هل تستوي الظلمات‏}‏ ‏[‏الرعد‏:‏ 16‏]‏ و‏{‏أماذا كنتم تعملون‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 84‏]‏ ومذهب غيرهم أنها قد تأتي بمعنى الاستفهام المجرد وروى ذلك عن أبي عبيدة وأنها قد تأتي للإضراب المجرد وقد تتضمنه والاستفهام الإنكاري أو الطلبي والزمخشري قال في الموضعين أم من يشار إليه ويقال هذا الذي وجوز في هذا أن يكون إشارة إلى مفروض وأن يكون إشارة إلى جميع الأوثان لاعتقادهم أنهم يحفظون من النوائب ويرزقون ببركة آلهتهم فكأنهم الجند والناصر والرازق والآية على هذا ليست متعلقة بقوله تعالى ‏{‏أو لم يروا‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 19‏]‏ على ما حققه «صاحب الكشف» قال بعد أن أوضح كلامه إذا تقرر ذلك فاعلم أن الذي يقتضيه النظم على هذا التفسير أن يكون قوله تعالى ‏{‏أمن هذا الذي هو جند‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 20‏]‏ متعلقاً بحديث الخسف وقوله سبحانه أم من هذا الذي يرزقكم بحديث إرسال الحاصب على سبيل النشر كأنه لما قيل أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فتضطرب نافرة بعدما كانت في غاية الذلة عقب بقول أم آمنكم الفوج الذي هو في زعمكم هو جند لكم يمنعكم من عذاب الله تعالى وبأسه على أن أم منقطعة والاستفهام تهكم وكذلك لما قيل أأمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً بدل ما يرسل عليكم رحمته ذنب بقول أم آمنكم الذي تتوهمون أنه يرزقكم وأما قوله تعالى

‏{‏ولقد كذب الذين من قبلهم‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 18‏]‏ فاعتراض يشد من عضد التحذير وإن في الأمم الماضين المخسوف بهم والمرسل عليهم الحواصب إلى غير ذلك من أنواع عذابه عز وجل ما يسلبهم الطمأنينة والوقار لو اعتبروا وكذلك قوله سبحانه أو لم يروا تصوير لقدرته تعالى الباهرة وإن من قدر على ذلك كان الخسف وإرسال الحاصب عليه أهون شيء وفيه كما أنه بعظيم قدرته وشمول رحمته أمسك الطير كذلك إمساكه العذاب وإلا فهؤلاء يستحقون كل نكال وفي الإتيان بهذا من التحقير الدال على تسفيه رأيهم وتقدير القول الدال على الزعم والتأكيد بالموصولين الدال على تأكد اعتقادهم في ذلك الباطل إن كان إشارة إلى الأصنام أو كمال التهكم بهم كأنهم محققون معلومون إن كان إشارة إلى فوج مفروض لأن حالهم في الأمن يقتضي ذلك وهذا أبلغ ولذا قدمه الزمخشري ما يقضي منه العجب ويلوح الإعجاز التنزيلي كأنه رأي العين ثم قال فهذا ما هديت إليه مع الاعتراف بأن الاغتراف من تيار كلام الله تعالى له رجال ما أبعد مثلي عنهم ولكن أتسلى بقول إمامنا الشافعي‏.‏ *** انتهى ولعمري لقد أبدع وتبوأ ما قاله من القبول عند ذوي العقول المحل الأرفع‏:‏ ويعجبني طرف تدر دموعه *** على فضله العالي فلله دره

وظاهره أن من في الموضعين فاعل لفعل محذوف دل عليه السياق أعني أمنكم لا مبتدأ خبره محذوف كما قيل فيما سبق وقد جوز في الآية غير ما تقدم من أوجه الإعراب وهو أن يكون من خبراً مقدماً وهذا مبتدأ ورجح على ما مر من عكسه بأنه سالم عما فيه من الأخبار بالمعرفة عن النكرة فإنه غير جائز عند الجمهور وجوازه مذهب سيبويه إذا كان المبتدأ اسم استفهام أو أفعل تفضيل‏.‏ وقرأ طلحة في الأولى أمن بتخفيف الميم وشدد في الثانية كالجماعة وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً عَلَى صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ مثل ضرب للمشرك والموحد توضيحاً لحاليهما في الدنيا وتحقيقاً لشأن مذهبيهما والفاء لترتيب ذلك على ما ظهر من سوء حال الكفرة وخرورهم في مهاوي الغرور وركوبهم متن عشواء العتو والنفور فإن تقدم الهمزة عليها صورة إنما هو لاقتضاء الصدارة وأما بحسب المعنى فالمعنى بالعكس على ماهو المشهور حتى لو كان مكان الهمزة هل لقيل فهل من يمشي الخ ومن موصولة مبتدأ ويمشي صلته ومكباً حال من الضمير المستتر فيه وعلى وجهه ظرف لغو متعلق بمكبا أو مستقر حال والأول أولى وأهدى خبر من ومن الثانية عطف على الأولى وهو من عطف المفرد على المفرد كما في قولك أزيد أفضل أم عمرو وقيل مبتدأ خبره محذوف لدلالة خبر الأولى عليه ولا حاجة إلى ذلك لما سمعت والمكب الساقط على وجه يقال أكب خر على وجهه وهو من باب الأفعال والمشهور أنه لازم وثلاثيه متعد فيقال كبه الله تعالى فاكب وقد جاء ذلك على خلاف القياس وله نظائر يسيرة كأمرت الناقة درت ومر تيهاً وأشنق البعير رفع رأسه وشنقته واقشع الغيم وقشعته الريح أي أزالته وكشفته وأنزفت البئر ونزفتها أخرجت ماءها وأنسل ريش الطائر ونسلته وقال بعضهم التحقيق أن الهمزة فيه للصيرورة فمعنى أكب صار ذا كب ودخل فيه كما في الأم إذا صار لئيماً وانفض إذا صار نافضاً لما في مزودته وليست للمطاوعة ومطاوع كب إنما هو انكب وقد ذهب إلى ذلك ابن سيده في المحكم تبعاً للجوهري وغيره وتبعه ابن الحاجب وأكثر شراح المفصل إلا أن كلام بعض الأجلة ظاهر في التسوية بين المطاوعة والصيرورة وحكى ابن الأعرابي كبه الله تعالى وأكبه بالتعدية وفي «القاموس» ما هو نص فيه وعليه لا مخالفة للقياس والمعنى أفمن يمشي وهو يعثر في كل ساعة ويخر على وجهه في كل خطوة لتوعر طريقه واختلاف أجزائه بانخفاض بعض وارتفاع بعض آخر أهدى وأرشد إلى المقصد الذي يؤمه أم من يمشي قائماً سالماً من الخبط والعثار على طريق مستوى الأجزاء لا إعواج فيه ولا انحراف ولم يصرح بطريق الكافر بل أشير إليه بما دل على توعره وعدم استقامته أعني مكباً للاشعار بأن ما عليه لا يليق أن يسمى طريقا وفسر بعضهم السوي بمستوى الجهة قليل الانحراف على أن المكب المتعسف الذي ينحرف هكذا وهكذا وهو غير مناسب هنا لأن قوله تعالى على صراط مستقيم يصير كالمكرر وأفعل هنا مثله على ما في «البحر» في قولك العسل أحلى من الخل والآية على ما روى عن ابن عباس نزلت في أبي جهل عليه اللعنة وحمزة رضي الله تعالى عنه والمراد العموم كما روى عن ابن عباس أيضاً ومجاهد والضحاك وقال قتادة نزلت مخبرة عن حال الكافر والمؤمن في الآخرة فالكفار يمشون فيها على وجوههم والمؤمنون يمشون على استقامة وروى أنه قيل للنبي كيف يمشي الكافر على وجهه فقال عليه الصلاة والسلام إن الذي أمشاه في الدنيا على رجليه قادر على أن يمشيه في الآخرة على وجهه وعليه فلا تمثيل وقيل المراد بالمكب الأعمى وبالسوي البصير وذلك إما من باب الكناية أو من باب المجاز المرسل وهو لا يأبى جعله بعد تمثيلاً لمن سمعت كما هو معلوم في محله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ هُوَ الذى أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والابصار والافئدة‏}‏ أي القلوب ‏{‏قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ‏}‏ أي تلك النعم كان تستعملون السمع في سماع الآيات التنزيلية على وجه الانتفاع بها والأبصار في النظر بها إلى الآيات التكوينية الشاهدة بشؤون الله عز وجل والأفئدة بالتفكر بها فيما تسمعونه وتشاهدونه ونصب قليلاً على أنه صفة مصدر مقدر أي شكراً قليلاً وما مزيدة لتأكيد التقليل والجملة حال مقدرة والقلة على ظاهرها أو بمعنى النفي إن كان الخطاب للكفرة وجوز في الجملة أن تكون مستأنفة والأول أولى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ هُوَ الذى ذَرَأَكُمْ فِى الارض‏}‏ أي خلقكم وكثركم فيها لا غيره عز وجل ‏{‏وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏}‏ للجزاء لا إلى غيره سبحانه اشتركا أو استقلالاً فابنوا أمركم على ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏25‏]‏

‏{‏وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏25‏)‏‏}‏

‏{‏وَيَقُولُونَ‏}‏ من فرط عتوهم ونفورهم ‏{‏متى هذا الوعد‏}‏ أي الحشر الموعود كما ينبىء عنه قوله تعالى ‏{‏وإليه تحشرون‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 24‏]‏ إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ يخاطبون به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حيث كانوا مشاركين له عليه الصلاة والسلام في الوعد وتلاوة الآيات المتضمنة له وجواب الشرط محذوف أي إن كنتم صادقين فيما تخبرونه من مجيء الساعة والحشر فبينوا وقته‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏26‏]‏

‏{‏قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ إِنَّمَا العلم‏}‏ أي العلم بوقته ‏{‏عَندَ الله‏}‏ عز وجل لا يطلع عليه غيره عز وجل كقوله تعالى ‏{‏قل إنما علمها عند ربي‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 187‏]‏ ‏{‏وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ‏}‏ أنذركم وقوع الموعود لا محالة وأما العلم بوقت وقوعه فليس من وظائف الإنذار والفاء في قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏27‏]‏

‏{‏فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

‏{‏فَلَمَّا رَأَوْهُ‏}‏ فصيحة معربة عن تقدير جملتين وترتيب الشرطية عليهما كأنه قيل وقد أتاهم الموعود فرأواه فلما رأوه الخ وهذا نظير قوله تعالى ‏{‏فلما رآه مستقرا عنده‏}‏ ً ‏[‏النمل‏:‏ 4‏]‏ إلا أن المقدر هناك أمر واقع مرتب على ما قبله بالفاء وههنا أمر منزل منزلة لواقع وارد على طريقة الاستئناف وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏زُلْفَةً‏}‏ حال من مفعول رأوه اما بتقدير المضاف أي ذا زلفة وقرب أو على أنه مصدر بمعنى الفاعل أي مزدلفاً أو على أنه مصدر نعت به مبالغة أو ظرف أي رأوه في مكان ذي زلفة وفسر بعضهم الزلفة بالقريب والأمر عليه ظاهر وكذا على ما روى عن ابن زيد من تفسيره بالحاضر وقال الراغب الزلفة المنزلة والحظوة وما في الآية قيل معناه زلفة المؤمنين وقيل زلفة لهم واستعمل الزلفة في منزلة العذاب كما استعملت البشارة ونحوها من الألفاظ انتهى ولا زلفة في كلا القولين ‏{‏سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ‏}‏ سامتها رؤيته بأن غشيتها بسببها الكآبة ورهقها القتر والذلة ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بالكفر وتعليل المساءة به وأشم أبو جعفر والحسن وأبو رجاء وشيبة وابن وثاب وطلحة وابن عامر ونافع والكسائي كسر سين سيئت الضم ‏{‏وَقِيلَ‏}‏ توبيخاً لهم وتشديد العذاب بهم ‏{‏هذا الذى كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ‏}‏ أي تطلبونه في الدنيا وتستعجلونه إنكاراً واستهزاء على أنه تفتعلون من الدعاء والباء صلة الفعل وقيل هو من الدعوى أي تدعون أن لا بعث ولا حشر فالباء سبية أو للملابسة باعتبار الذكر وأيد التفسير الأول بقراءة أبي رجاء والضحاك والحسن وقتادة وابن يسار وعبد الله بن مسلم وسلام ويعقوب تدعون بسكون الدال وهي قراءة ابن أبي عبلة وأبي زيد وعصمة عن أبي بكر والأصمعي عن نافع وذكر الزمخشري في سورة المعارج إن يدعون مخففاً من قولهم دعابكذا إذا استدعاه وعن الفراء أنه من دعوت أدعو والمعنى هذا الذي كنتم به تستعجلون وتدعون الله تعالى بتعجيله يعني قولهم ‏{‏إن كان هذا هو الحق من عندك‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏ الخ وروى عن مجاهد أن الموعود عذاب يوم بدر وهو بعيد وأما ما قيل من أن الموعود الخسف والحاصب وقد وقعا لأن المراد بالخسف الذي كما في قوله‏:‏ ولا يقيم على خسف يراد به *** إلا الأذلان عير الحي والوتد

وبالحاصب الحصي وقد رمى صلى الله عليه وسلم به في وجوههم كما في الخبر المشهور أو لم يقعا بناء على ما عرف أولاً من المراد بهما ولا يضر ذلك إذ تخلف الوعيد لا ضير فيه فليس بشيء كما لا يخفى وكان كفار مكة يدعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين بالهلاك فقال سبحانه له عليه الصلاة والسلام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏28‏]‏

‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏28‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ أَرَءيْتُمْ‏}‏ أي أروني كما هو المشهور وقد مر تحقيقه ‏{‏إِنْ أَهْلَكَنِىَ الله وَمَن مَّعِىَ‏}‏ أي من المؤمنين ‏{‏أَوْ رَحِمَنَا‏}‏ أي بالنصرة عليكم ‏{‏فَمَن يُجِيرُ الكافرين مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ أي فمن يجيركم من عذاب النار وأقيم الظاهر مقام المضمر المخاطب دلالة على أن موجب البوار محقق فأني لهم الإجارة والظاهر أن جواب الشرط والمعطوف عليه شيء واحد وحاصل المعنى لا مجير لكم من عذاب النار لكفركم الموجب له انقلبنا إلى رحمة الله تعالى بالهلاك كما تمنون لأن فيه الفوز بنعيم الآخرة أو بالنصرة عليكم والأدلة للإسلام كما نرجو لأن في ذلك الظفر بالبغيتين ويتضمن ذلك حثهم على طلب الخلاص بالايمان وأن فيما هم فيه شغلاً شاغلاً عن تمني هلاك النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين وهذا أوجه أوجه ثلاثة ذكرها الزمخشري ثانيها أن المعنى إن أهلكنا الله تعالى بالموت ونحن هداتكم والآخذون بحجزكم فمن يجيركم من النار وإن رحمنا بالغلبة عليكم وقتلكم عكس ما تمنون فمن يجيركم لأن المقتول على أيدينا هالك في الدنيا والآخرة وعلى هذا الجواب متعدد لتعدد موجبه ورجح الأول بأن فيه تسفيهاً لرأيهم لطلبهم ما هو سعادة أعدائهم ثم الحث على ما هو أحرى وهو الخلاص مما هم فيه من موجب الهلاك وهذا فيه الأول من حيث أنهم لم يتمنون هلاك من يجيرهم من العذاب بإرشاده والسياق ادعى للأول وثالثها أن المعنى إن أهلكنا الله تعالى في الآخرة بذنوبنا ونحن مسلمون فمن يجير الكافرين وهم أولى بالهلاك لكفرهم وإن رحمنا بالايمان فمن يجير من لا إيمان له وعلى هذا الجواب متعدد أيضاً والهلاك فيه محمول على المجاز دون الحقيقة كما في سابقه والغرض الجزم بأنهم لا مجير لهم وإن حالهم إذا ترددت بين الهلاك بالذنب والرحمة بالايمان وهم مؤمنون فما ذا يكون حال من لا إيمان له وهذا فيه بعد‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏

‏{‏قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ‏}‏ أي لهم جواباً عن تمنيهم ما لا يجديهم بل يرديهم معرضاً بسوء ما هم عليه ‏{‏هُوَ الرحمن‏}‏ أي الله الرحمن ‏{‏بِهِ إِنَّهُ‏}‏ أي فيجيرنا برحمته عز وجل من عذاب الآخرة ولم نكفر مثلكم حتى لانجار البتة ولما جعل الكفر سبب الإساءة في الآية الأولى جعل الايمان سبب الإجارة في هذه ليتم التقابل ويقع التعريض موقعه ولم يقدم مفعول آمناً لأنه لو قيل به آمناً كان ذهاباً إلى التعريض بإيمانهم بالأصنام وكان خروجاً عما سيق له الكلام وحسن التقديم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا‏}‏ لاقتضاء التعريض بهم في أمر التوكل ذلك أي وعليه توكلنا ونعم الوكيل فنصرنا لا على العدد والعدد كما أنتم عليه والحاصل أنه لما ذكر فيما قبل الإهلاك والرحمة وفسر برحمة الدنيا والآخرة أكد ههنا بحصولها لهم في الدارين لايمانهم وتوكلهم عليه تعالى خاصة وفي ذلك تحقيق عدم حصولها للكافرين لانتفاء الموجبين ثم في الآية خاتمة على منوال السابقة وتبيين أن أحسن العمل الايمان والتوكل على الله تعالى وحده وهو حقيقة التقوى وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِى ضلال مُّبِينٍ‏}‏ أي في الدارين وعيد بعد تلخيص الموجب لكنه أخرج مخرج الكلام المنصف أي من هو منا ومنكم في الخ وقرأ الكسائي فسيعلمون بياء الغيبة نظراً إلى قوله تعالى ‏{‏فمن يجير الكافرين‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 28‏]‏ وقوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏30‏]‏

‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ‏(‏30‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ أَرَءيْتُمْ‏}‏ أي أخبروني ‏{‏إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً‏}‏ أي غائراً ذاهباً في الأرض بالكلية وعن الكلبي لا تناله الدلاء وهو مصدر وصف به للمبالغة أو مؤل باسم الفاعل وأياً ما كان فليس المراد بالماء ماء معيناً وإن كانت الآية كما روى ابن المنذر والفاكهي عن ابن الكلبي نازلة في بئر زمزم وبئر ميمون بن الحضرمي ‏{‏فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ‏}‏ أي جار أو ظاهر سهل المأخذ لوصول الأيدي إليه وهو فعيل من معن أو مفعول من عين وعيد في الدنيا خاصة واردف الوعيد السابق به تنبيهاً بالأدنى على الأعلى وإنكم إذا لم تعبدوه عز وجل للحياة الباقية فاعبدوه للفانية وتليت هذه الآية عند بعض المستهزئين فلما سمع فمن يأتيكم الخ قال تجيء به الفؤس والمعاول فذهب ماء عينيه نعوذ بالله تعالى من الجراءة على الله جل جلاله وآياته وتفسير الآيات على هذا الطرز هو ما اختاره بعض الأئمة وهو أبعد مغزى من غيره والله تعالى أعلم بأسرار كلامه‏.‏

‏[‏سورة القلم‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ‏(‏1‏)‏‏}‏

بسْم اللَّهِ الرحمن الرَّحِيم ‏{‏ن‏}‏ بالسكون على الوقف وقرأ الأكثرون بسكون النون وإدغامها في واو ‏{‏والقلم‏}‏ بغنة عند بعض وبدونها عند آخرين وقرىء بكسر النون وقرأ ابن عباس وابن أبي إسحق وعيسى بخلاف عنه بفتحها وكل لالتقاء الساكنين وجوز أن يكون الفتح باضمار حرف القسم في موضع الجر كقولهم الله لأفعلن بالجر وأن يكون ذلك نصباً بإضمار اذكر ونحوه لا فتحاً وامتناع الصرف للتعريف والتأنيث على أنه علم للسورة ثم إن جعل اسماً للحرف مسروداً على نمط التعديد للتحدي على ما اشتهر وبين في موضعه أو اسماً للسورة منصوباً على الوجه المذكور أو مرفوعاً على أنه خبر مبتدأ محذوف فالواو في قوله تعالى والقلم للقسم وإن جعل مقسماً به فهي للعطف عليه على الشائع واختار السلف إن ‏{‏ن‏}‏ من المتشابه وغير واحد من الخلف أنه هنا من أسماء الحروف وقالوا يؤيد ذلك أنه لو كان اسم جنس أو علماً لا عرب منوناً أو ممنوعاً من الصرف ولكتب كما يتلفظ به وكون كتابته كما ترى لنية الوقف وإجراء الوصل مجراه خلاف الأصل وكون خط المصحف لا يقاس مسلم إلا أن الأصل إجراؤه على القياس ما أمكن وقيل هو اسم لحوت عليه الأرض يقال له اليهموت بفتح الياء المثناة التحتية وسكون الهاء ففي حديث رواه الضياء في المختار والحاكم وصححه وجمع عن ابن عباس خلق الله تعالى النون فبسطت الأرض عليه فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالحبال ثم قرأ ‏{‏ن‏}‏ والقلم الخ وروى ذلك عن مجاهد وروى عن ابن عباس أيضاً والحسن وقتادة والضحاك أنه اسم للدواة وأنكر الزمخشري ورود النون بمعنى الدواة في اللغة أو في الاستعمال المعتد به وقال ابن عطية يحتمل أن يكون لغة لبعض العرب أو لفظة أعجمية عربية وأنشد قول الشاعر‏:‏ إذا ما الشوق برح بي إليهم *** ألقت النون بالدمع السجوم

والأولون منهم من فسر القلم بالذي خط في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة ومنهم من فسره بقلم الملائكة الكرام الكاتبين وال فيه على التفسيرين للعهد والآخرون منهم من فسره بالجنس على أن التعريف فيه جنسي ومنهم وهم قليل من فسره بما تقدم أيضاً لكن الظاهر من كلامهم أن الدواة ليست عبارة عن الدواة المعروفة بل هي دواة خلقت يوم خلق ذلك القلم وعن معاوية بن قرة يرفعه أن ن لوح من نور والقلم قلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة وعن جعفر الصادق أنه نهر من أنهار الجنة وفي «البحر» لعله لا يصح شيء من ذلك أي من جميع ما ذكر في ن ما عدا كونه اسماً من أسماء الحروف وكأنه إن كان كان مطلعاً على الروايات التي ذكرناها لم يعتبر تصحيح الحاكم فيما روى أولاً عن ابن عباس ولا كون أحد رواته الضياء في المختارة التي هي في الاعتبار قرينة من الصحاح ولا كثرة راويه عنه وهو الذي يغلب على الظن لكثرة الاختلاف فيما روى عنه في تعيين المراد به حتى أنه روى عنه أنه آخر حرف من حروف الرحمن وإن هذا الاسم الجليل فرق في الر وحم ون ولا يخفى أنه إن أريد الحوت أو نهر في الجنة يصير الكلام من باب كم الخليفة وألف بادنجانة وأما إن أريد الدواة فالتنكير آب عن ذلك أشد الإباء على أنه كما سمعت عن الزمخشري لغة لم تثبت والرد عليه إنما يتأتى بإثبات ذلك عن الثقات وأنى به وذكر «صاحب القاموس» لا ينتهض حجة على أنه معنى لغوي وفي صحة الروايات كلام والبيت الذي أنشده ابن عطية لم يثبت عربياً وكونه بمعنى الحوت أطلق على الدواة مجازاً بعلاقة المشابهة فإن بعض الحيتان يستخرج منه شيء أشد سواداً من النقس يكتب به لا يخفى ما فيه من السماجة فإن ذلك البعض لم يشتهر حتى يصح جعله مشبهاً به مع إنه لا دلالة للمنكر على ذلك الصنف بعينه وكونه بمعنى الحرف مجازاً عنها أدهى وأمر كذا قيل وللبحث في البعض مجال وللقصاص هذا الفصل روايات لا يعول عليها ولا ينبغي الإصغاء إليها ثم إن استحقاق القلم للإعظام بالإقسام به إذا أريد به قلم اللوح الذي جاء في الاخبار أنه أول شيء خلقه الله تعالى أو قلم الكرام الكاتبين ظاهر وأما استحقاق ما في أيدي الناس إذا أريد به الجنس لذلك فلكثرة منافعه ولو لم يكن له مزية سوى كونه آلة لتحرير كتب الله عز وجل لكفى به فضلاً موجباً لتعظيمه والضمير في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا يَسْطُرُونَ‏}‏ أي يكتبون اما للقلم مراداً به قلم اللوح وعبر عنه بضمير الجمع تعظيماً له أو له مراداً به جنس ما به الخط فضمير الجمع لتعدده لكنه ليس بكاتب حقيقة بل هو آلة للكاتب فالإسناد إليه إسناد إلى الآلة مجازاً والتعبير عنه بضمير العقلاء لقيامه مقامهم وجعله فاعلاً أو للكتبة أو الحفظة المفهومين من القلم أو لهم باعتبار أنه أريد بالقلم أصحابه تجوزاً أو بتقدير مضاف معه ولا يخفى ما هو إلا وجه من ذلك وأما كونه لما وهي بمعنى من فتكلف بارد والظاهر فيها أنها إما موصولة أي والذي يسطرونه أو مصدرية أي وسطرهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏2 - 3‏]‏

‏{‏مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ‏(‏2‏)‏ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ‏}‏ جواب القسم والباء الثانية مزيدة لتأكيد النفي ومجنون خبر ما والباء الأولى للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال من الضمير في الخبر والعامل فيها معنى النفي والمعنى انتفى عنك الجنون في حال كونك ملتبساً بنعمة ربك أي منعماً عليك بما أنعم من حصافة الرأي والنبوة والشهامة واختاره ناصر الدين وقريب منه جعل الباء للسببية والجار والمجرور متعلقاً بالنفي كالظرف اللغو كأنه قيل انتفى عنك الجنون بسبب نعمة ربك عليك وجوز أن تكون الباء للملابسة في موضع الحال والعامل مجنون وباؤه لا تمنع العمل لأنها مزيدة وتعقبه ناصر الدين بأن فيه نظراً من حيث المعنى ووجه بأن محصله على هذا التقدير أنه انتفى عنك الجنون وقت التباسك بنعمة ربك ولا يفهم منه انتفاء مطلق الجنون عنه صلى الله عليه وسلم وهل المراد إلا هذا وقيل عليه لا يخفى أنه وارد على ما اختاره هو أيضاً أي وذلك لأن المعنى حينئذ انتفى عنك ملتبساً بنعمة ربك الجنون ولا يفهم منه انتفاؤه عنه عليه الصلاة والسلام في جميع الأوقات وهو المراد وأجيب بأن تلك الحالة لازمة له صلى الله عليه وسلم غير منفكة عنه فنفيه عنه فيها مستلزم لنفيه عنه دائماً وسائر الحالات وتعقب بأن هذا متأت على كلا التقديرين لا اختصاص له بأحدهما دون الآخر وأنت خبير بأنه فرق بينهما إذ يصير المعنى على تقدير كون العامل مجنون كما أشير إليه أنه انتفى عنك الجنون الواقع عليك حالة الالتباس المذكور وهذا يدل على أمكان وقوعه في تلك الحالة بل على تحققه أيضاً وهو معنى لاغ إذ كيف يتصور وجود الجنون ووقوعه وقت التباسه صلى الله عليه وسلم بالنعمة ومن جملتها الحصافة ولا يرد هذا على التقدير المختار إذ الانتفاء المفهوم حينئذ لا يكون وارداً على الجنون المقيد بما ذكر وهو وإن كان مقيداً فيه أيضاً لا ضير به لكون قيده لازماً لذات المنفي عنه كما عرفت هذا وقيل إذا حمل الباء على السببية واعتبر الظرف لغواً يظهر عدم جواز تعلقه بما بعده من حيث المعنى‏.‏ ظهور نار القرى ليلاً على علم *** ولهم في الجملة الحالية والحال إذا وقعت بعد النفي كلام ذكره الخفاجي وحقق أنه حينئذ إنما يلزم انتفاء مقارنة الحال لذي الحال لا نفيها نفسها فتدبر ولا تغفل وجوز كون بنعمة ربك قسماً متوسطاً في الكلام لتأكيده من غير تقدير جواب أو يقدر له جواب يدل عليه الكلام المذكور واستظهر هذا الوجه أبو حيان والتعرض لوصف الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى معارج الكمال مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لتشريفه صلى الله عليه وسلم والإيذان بأنه تعالى يتم نعمته عليه ويبلغه في العلو إلى غاية لا غاية وراءها والمراد تنزيهه صلى الله عليه وسلم عما كانوا ينسبونه إليه صلى الله عليه وسلم من الجنون حسداً وعداوة ومكابرة فحاصل الكلام أنت منزه عما يقولون ‏{‏وَإِنَّ لَكَ‏}‏ بمقابلة مقاساتك ألوان الشدائد من جهتهم وتحملك أعباء الرسالة ‏{‏لاجْرًا‏}‏ لثواباً عظيماً لا يقادر قدره ‏{‏غَيْرُ مَمْنُونٍ‏}‏ أي مقطوع مع عظمه أو غير ممنون عليك من جهة الناس فإنه عطائه تعالى بلا واسطة أو من جهته تعالى لأنك حبيب الله تعالى وهو عز وجل أكرم الأكرمين ومن شيمة الأكارم أن لا تمنوا بانعامهم لا سيما إذا كان على أحبابهم كما قال‏:‏ سأشكر عمرا ان تراخت منيتي *** أيادي لم تمنن وان هي جلت

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ‏}‏ لا يدرك شأوه أحد من الخلق ولذلك تحتمل من جهتهم ما لا يحتمله أمثالك من أولي العزم وفي حديث مسلم وأبي داود والإمام أحمد والدارمي وابن ماجة والنسائي عن سعد بن هشام قال قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ألست تقرأ القرآن قلت بلى قالت فإن خلق نبي الله كان القرآن وأرادت بذلك على ما قيل إن ما فيه من المكارم كله كان فيه صلى الله عليه وسلم وما فيه من الزجر عن سفساف الأخلاق كان منزجراً به عليه الصلاة والسلام لأنه المقصود بالخطاب بالقصد الأول ‏{‏كذلك لنثبت به فؤادك‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 32‏]‏ وربما يرجع إلى هذا قولها كما في رواية ابن المنذر وغيره عن أبي الدرداء أنه سألها عن خلقه عليه الصلاة والسلام فقالت كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه وقال العارف بالله تعالى المرصفي أرادت بقولها كان خلقه القرآن تخلقه باخلاق الله تعالى لكنها لم تصرح به تادباً منها وفي الكشف أنه أدمج في هذه الجملة أنه صلى الله عليه وسلم متخلق باخلاق الله عز وجل بقوله سبحانه عظيم وزعم بعضهم أن في الآية رمزاً إلى أن الأخلاق الحسنة مما لا تجامع الجنون وإنه كلما كان الإنسان أحسن أخلاقاً كان أبعد عن الجنون ويلزم من ذلك أن سوء الأخلاق قريب من الجنون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5 - 6‏]‏

‏{‏فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ‏(‏5‏)‏ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيّكُمُ المفتون‏}‏ أي المجنون كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وابن المنذر عن ابن جبير وعبد بن حميد عن مجاهد وأطلق على المجنون لأنه فتن أي محن بالجنون وقيل لأن العرب يزعمون أن الجنون من تخبيل الجن وهم الفتان للفتاك منهم والباء مزيدة في المبتدأ وجوز ذلك سيبويه أو الفتنة فالمفتون مصدر كالمعقول والمجلود أي الجنون كما أخرجه عبد بن حميد عن الحسن وأبي الجوزاء وهو بناء على أن المصدر يكون على وزن المفعول كما جوزه بعضهم والباء عليه للملابسة أو بأي الفريقين منكم الجنون أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين أي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم وهو تعريض بأبي جهل والوليد بن المغيرة واضرابهما والباء على هذا بمعنى في وقدر بأي الفريقين منكم دفعاً لما قيل من أن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة قريش ولا يصح أن يقال لجماعة وواحد في أيكم زيد وأيد الاعتراض بأن قوله تعالى فستبصر ويبصرون خطاب له عليه الصلاة والسلام خاصة وجواب التأييد أن الخطاب بظاهره خص برسول الله صلى الله عليه وسلم ليجري الكلام على نهج السوابق ولا يتنافر لكنه ليس كالسوابق في الاختصاص حقيقة لدخول الأمة فيه أيضاً فيصح تقدير بأي الفريقين وادعى صاحب الكشف ان هذا أوجه الأوجه لإفادته التعريض وسلامته عن استعمال النادر يعني زيادة الباء في المبتدأ وكون المصدر على زنة المفعول وإليه ذهب الفراء ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة في أيكم وأياً ما كان فالظاهر أن بأيكم المفتون معمول لما قبله على سبيل التنازع والمراد فستعلم ويعلمون ذلك يوم القيامة حين يتبين الحق من الباطل وروي ذلك عن ابن عباس وقيل فستبصر ويبصرون في الدنيا بظهور عاقبة الأمر بغلبة الإسلام واستيلائك عليهم بالقتل والنهب وصيرورتك مهيباً معظماً في قلوب العالمين وكونهم أذلة صاغرين ويشمل هذا ما كان يوم بدر وعن مقاتل ان ذلك وعيد بعذاب يوم بدر وقال أبو عثمان المازني ان الكلام قد تم عند قوله تعالى ويبصرون ثم استأنف قوله سبحانه بأيكم المفتون على أنه استفهام يراد به الترداد بين أمرين معلوم نفي الحكم عن أحدهما وتعين وجوده للآخر وهو كما ترى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين‏}‏ استئناف لبيان ما قبله وتأكيد لما تضمنه من الوعد والوعيد أي هو سبحانه أعلم بمن ضل عن سبيله المؤدي إلى سعادة الدارين وهام في تيه الضلال متوجهاً إلى ما يقتضيه من الشقاوة الأبدية ومزيد النكال وهذا هو المجنون الذي لا يفرق بين النفع والضر بل يحسب الضرر نفعاً فيؤثره والنفع ضرراً فيهجره وهو عز وجل أعلم بالمهتدين إلى سبيله الفائزين بكل مطلوب الناجين عن كل محذور وهم العقلاء المراجيح فيجزي كلاً من الفريقين حسبما يستحقه من العقاب والثواب وفي الكشاف أن ربك هو أعلم بالمجانين على الحقيقة وهم الذين ضلوا عن سبيله وهو أعلم بالعقلاء وهم المهتدون أو يكون وعيداً ووعدا وأنه سبحانه أعلم بجزاء الفريقين قال في الكشف هو على الأول تذييل مؤكد لما رمز إليه في السابق من أن المفتون من قرفك به جار على أسلوب المؤكد في عدم التصريح ولكن على وجه أوضح فإن قوله تعالى ‏{‏بأيكم المفتون‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 6‏]‏ لا تعيين فيه بوجه وهذا بدل هو أعلم بالمجنون وبالعاقل يدل على أن الجنون بهذا الاعتبار لا بما توهموه وثبت لهم صرف الضلال في عين هذا الزعم وعلى الثاني هو تذييل أيضاً ولكن على سبيل التصريح لأن بمن ضل أقيم مقام بهم وبالمهتدين أقيم مقام بكم ولعل ماعتبرناه أملا بالفائدة وكأن تقديم الوعيد ليتصل بما أشعر به أولاً والتعبير في جانب الضلال بالفعل للإيماء بأنه خلاف ما تقتضيه الفطرة وزيادة هو أعلم لزيادة التقرير مع الإيذان باختلاف الجزاء والفاء في قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏فَلاَ تُطِعِ المكذبين‏}‏ لترتيب النهي على ما ينبىء عنه ما قبله من اهتدائه صلى الله عليه وسلم وضلالهم أو على جميع ما فصل من أول السورة وهذا تهييج والهاب للتصميم على معاصاتهم أي دم على ما أنت عليه من عدم طاعتهم وتصلب في ذلك وجوز أن يكون نهيا عن مداهنتهم ومداراتهم بإظهار خلاف ما في ضميره صلى الله عليه وسلم استجلاباً لقلوبهم لا عن طاعتهم حقيقة وينبىء عنه قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ‏}‏ لأنه تعليل للنهي أو للانتهاء وإنما عبر عنها بالطاعة للمبالغة في التنفير أي أحبوا لو تلاينهم وتسامحهم في بعض الأمور ‏{‏فَيُدْهِنُونَ‏}‏ أي فهم يدهنون حينئذ أو فهم الآن يدهنون طعماً في ادهانك فالفاء للسببية داخلة على جملة مسببة عما قبلها وقدر المبتدأ لمكان رفع بالفعل والفرق بين الوجهين أن المعنى على أنهم تمنوا لو تدهن فتترتب مداهنتهم على مداهنتك ففيه ترتب احدى المداهنتين على الأخرى في الخارج ولو فيه غير مصدرية وعلى الثاني هي مصدرية والترتب ذهني على ودادتهم وتمنيهم وجوز أن تكون الفاء لعطف يدهنون على تدهن على أنه داخل معه في حيز لو متمني مثله والمعنى ودوا لو يدهنون عقيب ادهانك وما تقدم أبعد عن القيل والقال وأيّاً ما كان فالمعتبر في جانبهم حقيقة الادهان الذي هو إظهار الملاينة واضمار خلافها واما في جانبه عليه الصلاة والسلام فالمعتبر بالنسبة إلى ودادتهم هو إظهار الملاينة فقط وأما اضمار خلافها فليس في حيز الاعتبار بل هم في غاية الكراهة له وإنما اعتباره بالنسبة إليه عليه الصلاة والسلام وفي بعض المصاحف كما قال هارون فيدهنوا بدون نون الرفع فقيل هو منصوب في جواب التمني المفهوم من ودوا وقيل انه عطف على تدهن بناء على أن لو بمنزلة ان الناصبة فلا يكون لها جواب وينسبك منها ومما بعدها مصدر يقع مفعولاً لودوا كأنه قيل ودوا أن تدهن فيدهنوا ولعل هذا مراد من قال أنه عطف على توهم أن وجمهور النحاة على أن لو على حقيقتها وجوابها محذوف وكذا مفعول ودوا أي ودوا ادهانك لو تدهن فيدهنون لسروا بذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ‏}‏ كثير الحلف في الحق والباطل وكفى بهذا مزجرة لمن اعتاد الحلف لأنه جعل فاتحة المثالب وأساس الباقي وهو يدل على عدم استشعار عظمة الله عز وجل وهو أم كل شر عقداً وعملاً وذكر بعضهم أن كثرة الحلف مذمومة ولو في الحق لما فيها من الجرأة على اسمه جل شأنه وهذا النهي للتهييج والالهاب أيضاً أي دم على ما أنت عليه من عدم طاعة كل حلاف ‏{‏مُّهِينٌ‏}‏ حقير الرأي والتدبير وقال الرماني المهين الوضيع لإكثاره من القبيح من المهانة وهي القلة وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد عن قتادة أنه قال هو المكثار في الشر وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أنه الكذاب‏.‏